أحمد بن علي القلقشندي

320

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

لأقوى دليل تنقطع دون نقضه الأطماع ، وتنبو عن سماع ما يخالفه الأسماع ، إذ العباد مجبولون على التباين والتغاير ، مطبوعون على التحالف والتناصر ، [ مضطَّرّون إلى التّعاون والتّجاور ، مفتقرون إلى التعاضد والتّوازر ( 1 ) ] ، فلا بدّ من زعيم يمنعهم من التظالم ، ويحملهم على التناصف في التداعي والتحاكم ، ويقيم الحدود فتصان المحارم عن الانتهاك ، وتحفظ الأنساب عن الاختلاط والاشتراك ، ويحمي بيضة الإسلام فيمنع أن تطرق ، ويصون الثّغور أن يتوصّل إليها أو يتطرّق ، ليعزّ الإسلام دارا ، ويطمئنّ المستخفي ليلا ويأمن السارب نهارا ، ويذبّ عن الحرم فتحترم ، ويذود عن المنكرات فلا تغشى بل تصطلم ، ويجهّز الجيوش فتنكأ العدوّ ، وتغير على بلاد الكفر فتمنعهم القرار والهدوّ ، ويرغم أنف الفئة الباغية ويقمعها ، ويدغم الطائفة المبتدعة ويردعها ، ويأخذ أموال بيت المال بحقّها فيطاوع ، ويصرفها إلى مستحقّها فلا ينازع ، لا جرم اعتبر للقيام بها أكمل الشّروط وأتمّ الصّفات ، وأكرم الشّيم وأحسن السّمات . وكان السيد الأعظم الإمام النبويّ ، سليل الخلافة ، ووليّ الإمامة ، أبو فلان فلان العبّاسيّ المتوكَّل على اللَّه « مثلا » أمير المؤمنين ، سلك اللَّه تعالى به جدد آبائه الراشدين ، هو الذي جمع شروطها فوفّاها ، وأحاط منها بصفات الكمال واستوفاها ، ورامت به أدنى مراتبها فبلغت إلى أغياها ، وتسوّر معاليها فرقي إلى أعلاها ، واتّحد بها فكان صورتها ومعناها - وكانت الإمامة قد تأيّمت ممن يقوم بأعبائها ، وعزّت خطَّابها لقلَّة أكفائها ، فلم تلف لها بعلا يكون لها قرينا ، ولا كفئا تخطبه يكون لديها مكينا ، إلَّا الإمام الفلانيّ المشار إليه ، فدعته لخطبتها ، وهي بيت عرسه ، * ( وراوَدَتْه الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِه ) * ( 2 ) فأجاب خطبتها ، ولبّى دعوتها ؛ لتحقّقه رغبتها إليه وعلمه بوجوب إجابتها عليه ، إذ هو شبلها الناشئ بغابها ، وغيثها المستمطر من سحابها ، بل هو أسدها الهصور ، وقطب فلكها الذي عليه تدور ، ومعقلها الأمنع الحصين ، وعقدها الأنفس

--> ( 1 ) زائد في بعض النسخ . حاشية الطبعة الأميرية . ( 2 ) سورة يوسف 12 ، الآية 23 .